ابن كثير

375

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ونعم الوكيل . وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ أي ملك يسوقه إلى المحشر وملك يشهد عليه بأعماله هذا هو الظاهر من الآية الكريمة ، وهو اختيار ابن جرير ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى بن رافع مولى لثقيف قال : سمعت عثمان بن عفان رضي اللّه عنه يخطب فقرأ هذه الآية وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ فقال سائق يسوقها إلى اللّه تعالى وشاهد يشهد عليها بما عملت ، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد . وقال مطرف عن أبي جعفر مولى أشجع عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : السائق الملك والشهيد العمل ، وكذا قال الضحاك والسدي ، وقال العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : السائق من الملائكة والشهيد الإنسان نفسه ، يشهد على نفسه ، وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضا . وحكى ابن جرير « 1 » ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ أحدها ] أن المراد بذلك الكافر ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان . [ والثاني ] أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة ، والدنيا كالمنام ، وهذا اختيار ابن جرير ، ونقله عن حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما . [ والثالث ] أن المخاطب بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم وبه يقول زيد بن أسلم وابنه ، والمعنى على قولهما : لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يوحى إليك ، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك فبصرك اليوم حديد . والظاهر من السياق خلاف هذا بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو ، والمراد بقوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا يعني من هذا اليوم فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي قوي لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا ، يكونون يوم القيامة على الاستقامة ، لكن لا ينفعهم ذلك ، قال اللّه تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [ مريم : 38 ] . وقال عز وجل : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [ السجدة : 12 ] . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 23 إلى 29 ] وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ( 23 ) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ( 24 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ( 25 ) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ( 26 ) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 ) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 ) يقول تعالى مخبرا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 420 .